Sunday, December 6, 2009

على ضريح داروين


وصلت الى لندن في نوفمبر 2005 لحضور ندوة عن التطرف والارهاب، وهذا له حديث آخر، فقد تناقشنا على امتداد ثلاثة ايام حول الظاهرة وتجنبنا قدر المستطاع الحديث المكرر، أعجبتني فكرة اساسية طرحها احد المشاركين، عندما طالب بعقد ندوة خاصة بالعمليات الانتحارية كأبرز واخطر اشكال الارهاب حاليا، مَن مِن الفقهاء والكتاب دعا اليها وبررها؟ ومن دافع عنها؟ وما النصوص التي بررروا بها قتل المدنيين لتحقيق اهداف «الجهاد»؟

كانت اشجار لندن لا تزال مورقة خضراء، وقيل لي ان الصيف قد امتد هذا الخريف لفترة متأخرة، غير ان بردا ثلجيا شديدا كان قد بدأ، وكانت «درجة الحرارة» تنزل الى ما يقارب الصفر نهارا وما دونه بدرجات ليلا، وهكذا، ومع نهاية الندوة وجدت نفسي مريضا بالحرارة والزكام، لم يكن الذنب ذنبي، فقد كنت قد حشوت حقيبة السفر بكل ما املك من الملابس الشتوية، والمعاطف القصيرة والطويلة، ولكن جراثيم البرد والانفلونزا تسربت اليَّ بسهولة خارقة.

بدت المدينة الجميلة العريقة غارقة في الزينة والاضواء، والشوارع مشعة بالنور والالوان لاقتراب اعياد كريسماس ورأس السنة، وكانت بعض المباني الرئيسة والمحلات الكبرى مغطاة بأمواج من مختلف الالوان، وبذلك تزداد الشوارع جمالا على جمال، اخذت بعض الادوية المخففة، والتي لم تجد معي كثيرا، وخرجت اتجول على الرغم من الجو البارد بعد ان ارتديت كل معاطفي، فبدوت كبعض الجنود السوفييت على مشارف ستالينغراد!!

وكنت من شدة البرد الصقيعي في تلك الليلة الباردة في ميدان «الطرف الأغر»، أمر امام متحف الفنون الشهيرة، The National Gallery وانا منكمش في ثيابي الثقيلة وقبعتي ولفافة العنق، صامدا في وجه السخونة والصداع!

لم تكن بالطبع زيارتي الاولى للمدينة، وان كانت بقية الزيارات في فصول ادفأ و«ظروف صحية» افضل. وعندما تحسنت صحتي، ازددت تصميما على زيارة، أو اعادة زيارة، بعض معالم لندن.. فبدأت بمتحف الفنون.

وكنت بسبب الضعف وبقايا المرض، اسارع بالجلوس على الكراسي، مراقبا الزوار، ولحسن حظي كانت الوفود الطلابية تتوالى من مختلف المدارس، فأستمع الى شرح فني وافٍ حول تاريخ ومدلولات واسرار الكثير من اللوحات الشهيرة، ومنها مثلا لوحة «السفراء»، المرسومة عام 1533، والشهيرة بالجمجمة الغامضة في اسفل اللوحة، ولا ترى بوضوح الا اذا وقفت الى يمين اللوحة!

وقد سألت المدرسة احدى الطالبات الصغيرات: ألا تلاحظين سمنة السفير وكثرة ملابسه؟ لقد كان هذان من ضرورات المهابة والتأثير في البلاط الملكي البريطاني وملكها هنري الثامن، الذي دخل التاريخ.. بعدد زوجاته!

في المتحف كذلك، كما هو معروف، لوحات كثيرة من مدارس الفن الحديث، مانيه ومونيه ورينوار وغيرهم. ويعجب الانسان كيف تجاسر اولئك الرسامون الكبار على قواعد الفن الراسخة في عصرهم، وكيف رسموا تلك اللوحات المتداخلة الالوان، الغائمة الملامح، وكيف اعجب بها من اعجب، وعرف قيمتها المستقبلية، فاشتراها بمبالغ زهيدة، وكل واحدة منها اليوم لاتباع بعشرات الملايين من الدولارات.

زرت كذلك «المتحف البريطاني»، حيث تعرض الآثار الفرعونية واليونانية والرومانية، ووقفت مطولا امام «حجر رشيد».

هنا ايضا معجزة اخرى من خوارق الصدف، فقد ظلت نقوش الحضارة المصرية عصية على الفهم والقراءة، تتحدى الرومان والعرب والاوروبيين، وبالطبع المصريين انفسهم، الى ان تم اكتشاف هذا الحجر بالصدفة في اوائل القرن التاسع عشر، فكان تفكيك رموزه على يد الفرنسي «شمبليون» ايذانا بقراءة السفر الكبير للحضارة المصرية، وكان بناء الاهرام والآثار في مصر ينسب تارة الى الجن واخرى الى قوم عاد، ومن هنا كانت كلمة «عاديات» تستخدم للآثار وعلوم الاركلوجيا!

وقد حظيت الحضارة السومرية والبابلية والخط المسماري بصدفة اخرى مكنت الباحثين من قراءة حضارة بلاد الرافدين، فيما يعجز الباحثون اليوم، كما قرأت، عن فهم مدلولات خطوط حضارة «الانكا» في أمريكا الوسطى!

حرصت وانا في متحف لندن التاريخي هذا، على ان ادخل كذلك صالة القراءة الكبرى المستديرة، حيث تحيط خزائن الكتب بكل الجدران، وكلها من نوادر الكتب، وهناك قائمة بالاعلام والمشاهير الذين جلسوا في هذه القاعة للقراءة والدراسة، من بينهم برناردشو وكارل ماركس ولينين ولورنس ومحمد علي جناح وإليوت وعشرات من اعلام الفكر والسياسة والادب.

وتزخر المدينة بأنواع من المكتبات التجارية، ومنها الكتب الجديدة والكتب القديمة وكتب الاطفال وغيرها، وقد تمتد المكتبة افقيا وعموديا في دورين، وتتشعب امامك فروع المعرفة وانواع الكتب واحدث العناوين، فلا تدري بم تبدأ، وتهتم العواصم الغربية عادة بمكتبات الكتب القديمة والنادرة، وبعض الكتب في هذه الاماكن بالآلاف وعشرات الآلاف، ولكن لا تستعجل في الشراء، اذ لا يندر ان تجد كتابا مرتفع السعر في احداها، معتدل السعر في مكان آخر، وكانت اسعار الكتب القديمة في الولايات المتحدة، بسبب ضخامة حجم البلاد ووفرة المطبوعات، معتدلة نسبيا، ولكن انتشار «الانترنت» رفع الاسعار، بعد ان عرف الامريكيون اسعار لندن وباريس!

وصلت من ميدان بيكاديلي الى مبنى البرلمان وساعة «بج بن» الشهيرة.. وكنيسة «وستمنستر»، دخلت الكنيسة التاريخية لمشاهدة روعة المكان، ورؤية القبور والاضرحة لمشاهير الانجليز المدفونين في جنبات المعبد.

الكثير من هذه القبور قطع رائعة من فن النحت والزخرفة، بعضها للملوك وبعضها للقادة وكبار رجال الدين، ولكن في الكنيسة قبورا عادية كثيرة لا يكاد احد يميزها لولا الاسم والتاريخ المنحوت على الرخام.

ما من مرة ادخل فيها «وستمنستر» الا واقف فترة طويلة اتأمل قبر اسحق نيوتن.. وتشارلز داروين.

وقد اعجب بشجاعة الانجليز وتسامحهم اذ لم يجدوا بأسا في دفن داروين في كنيسة كهذه، بين كبار القساوسة والكرادلة والآباء، على الرغم ما دار بين هذا العالم الطبيعي الشهير وكبار رجال الدين، حول اصل الانسان والخلق ونظرية التطور.

وقفت على قبر تشارلز داروين، بكل تقدير واحترام لهذا العالم الفذ الذي وهب حياته للعلم ودرس تطور الكائنات، وكتب المؤلفات التي غيرت ملامح التفكير العلمي، وصمد في وجه ذلك التيار المعارض العاتي الذي ثار ضد افكاره ونظريته، وقد لاحظت ان رخام بقية القبور من حوله من اللون الاسود أو البني، والذي يغطي قبره رخام ابيض، ولم يجابه داروين بالمعارضة في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر - توفي عام 1882 - بل استمرت المعارضة لنظريته في الولايات المتحدة، وبخاصة جنوبها حتى اليوم.

ولكن الانجليز اليوم يفخرون به حتى انهم وضعوا صورته على عملتهم، وقد زرت المتحف العلمي فوجدتهم قد افردوا لنظرية التطور جناحا كاملا تشرح كل صغيرة وكبيرة من فكره، وتجولت في هذا المتحف العجيب حتى وصلت الى مكان شرب الشاي والقهوة، فاخترت مقعدا، ومعي القهوة، وجلست بين تمثالي داروين وهكسلي، زميله الذي اشتهر بدفاعه المستميت عنه في كل محفل! فأبت ادارة متحف العلوم الطبيعية الا ان تصنع للرجلين تمثالين من الرخام الابيض، بالحجم الطبيعي، فترى العالمين الجليلين جالسين قبالتك، يتأملان تطور الزمان!

تشتهر لندن كذلك بمركبتين عجيبتين: الباص المزدوج الادوار.. وسيارة التاكسي المكعبة!

وقد كانت زيارتي هذه للندن تاريخية من هذه الناحية، فقد سمعت ان هذه الباصات الفريدة ستتوقف عن السير والخدمة، والانجليز اعلم بالاسباب، اما سيارة التاكسي واجرة الركوب والتوصيل.. فحدث عن الغلاء ولا حرج.

اينما التفت في شوارع المدينة خلال هذا الموسم بالذات، وجدت ناسا! بشراً من كل قومية ولون ورجالا ونساء يدخلون ويخرجون من المحلات يتسوقون استعدادا لأعياد الميلاد والسنة الجديدة، المسارح والسينمات والمطاعم وانواع الملابس والازياء والاكل الشرقي والغربي والالكترونيات و«السوبر ماركتات»، مدينة حية تعج بالحركة والبيع والشراء.

استمر البرد القارص نحو اسبوع ثم بدأ الجو يعتدل، ولكن لم تنزل امطار على الرغم من كثرة الضباب، ضباب لا ينافسه الا ضباب الكويت تلك السنة، في ذلك الشتاء الكويتي الدافئ الذي لا مطر فيه ولا برد، حتى خرجت بعض الحشرات والزواحف المنزلية كالسحالي من جحورها، لتعيش صيفية «لم تحسب حسابها»! غادرت لندن باتجاه المطار، ولأول مرة ادرك ضخامة مطار «هيثرو» حيث الاجدر ان يسمى مدينة هيثرو، وهنا، على المدرج، ترى عجائب الخطوط الجوية وغرائبها، واسماء شركات، وصور الطيور والكانغارو مرسومة على اجسام الطائرات، ثم يأتي دور طائرتك في الاقلاع، فتشق الطائرة طريقها نحو السماء، وتعجب كيف «يدل» الطيار طريقه الى الكويت وسط كل هذه الغيوم!!

كانت عودتنا على تركيا والموصل وبغداد والبصرة، وكانت الاضاءة ضعيفة في العديد من مدن العراق وبلداتها، فمشكلة الكهرباء لا تزال مستمرة كالارهاب.. الذي ذهبنا الى لندن لمناقشته!

تاريخ النشر

No comments:

Post a Comment